المؤتمر الدولي الثاني بعنوان : كلفة الصراع في ليبيا

لطالما حَلم الليبيون بالحرية وبناء دولةٍ مدنية قائمة على المؤسسات، ومستندة إلى دستورٍ يحترم الهوية والثقافة الليبية، الحلم الذي ضَحَّى من أجله الليبيون بعد عقودٍ من الحكم الشمولي، الأمر الذي منح للثورة الليبية مشروعيتها وتعاطُف المجتمع الدولي في فبراير 2011م، وكانت كل المؤشرات الأولية ومسيرة الحدث تشير إلى إمكانية التقدم إلى الأمام، وتجاوز إرث الماضي الثقيل وجروحه، والتأسيس لدولة وطنية تسع كل الليبيبن.

ولكن التجاذبات السياسية والأيدولوجية تحت مختلف المسميات والتوصيفات والرؤى قادت إلى حالة من الصراع الداخلي الدموي:مناطقية، وقبلية، وأيديولوجية وحتى شخصية، والتي جَرَّت البعض إلى التمترس خلف متاريس تلك الصراعات التي استنزفت كثيراً من الدماء، وخَلَّفت لنا إرثاً ثقيلاً من المعضلات السياسية والإجتماعية والثقافية، المنظورة وغير المنظورة في المشهد الليبي الراهن، والتي يمكن إختزالها في مسمى (كُلفة الصراع في ليبيا).

يطرح الموتمر سؤالاً محدداً يتمحور حول كُلفة الصراع في ليبيا خلال السنوات الست الماضية، سؤالٌ يُحيل إلى مزيدٍ من التساؤلات والإشكاليات المُهمّشة في سيرورة الأحداث والصراعات الحالية، التي طغت عليها توصيفات واجتهادات النخب السياسية والعسكرية العاجزة عن إيجاد مخرجٍ لهذا الصراع، وغير المتبصرة بكلفته الحقيقية المادية وغير المادية في جميع مناحي حياة المجتمع الليبي الراهنة والمستقبلية.

ولعل انشغالات تلك النخب بالاصطفاف بين الأطراف المتصارعة المختلفة، تعطينا مشروعية طرح قضية كُلفة الصراع في ليبيا على شريحةٍ أخرى مُراقِبة وغير متداخلة في هذا الصراع، أي شريحة المثقفين والأكاديميين والخبراء والمعنيين بالحالة الليبية، من منطق المساهمة في تراكم البحوث والدراسات العلمية الموثَّقة، لمحاولة التشخيص المعرفي الذي يُولد حالة الإدراك المجتمعي بكُلفة الصراع والوعي بالإشكالية، ومحاولة التفكير العقلاني في حلولٍ له.

وقد يُطرح تساؤل منهجي: أي كُلفةٍ يرغب هذا المؤتمر بحثها بالدرس والتقصي؟ وهذا يقود بدوره إلى تساؤل هدفي آخر: هل من الممكن محاولة التأسيس لخطاب وطني يُقيِّم كُلفة الصراع الليبي؟ إلى غير ذلك من التساؤلات النطقية التي لانملك إجابات استباقية عليها، قد يعدها البعض موجهة لمسارات البحوث والاهتمامات، ولكن مشروع المؤتمر يأمل في تكوين إطارٍ معرفي محايد، يبدأ من منطلقاتٍ وطنية تبحث في كُلفة الصراع على مختلف الصُعُد، وبالتأكيد فإن أولها وأكثرها خضوراً في المشهد الليبي هو العجز عن بناء دولة، وسُلطة وطنية توحد كل الليبين تحت لوائها، وتتجاوز أهداف هذا المؤتمر محاولة بعض الآراء حصر الموضوع بالحديث عن مجرد عملية تقدير لكُلفة الأسلحة وأدوات الحرب، من دون أن يضعوا في الاعتبار أننا أمام وضعٍ معقد للغاية، لأن هنالك أيضاً تكاليفٌ أخرى يصعب تقدريها، مثل التداعيات الاجتماعية والنفسية لهذا الصراع ومانتج عنهما من تكالبف علاجٍ وتأهيلٍ طويل الأمد للمصابين والضحايا، بالإضافة إلى تكاليف إعادة البناء لكل مادُمّر، إلى جانب الخسائر غير المباشرة الناتجة عن توقف وتحلل المؤسسات الاقتصادية والصناعية في القطاعين العام والخاص، والتي يسبقها بالتأكيد محاولة تقييم كُلفة الصراع على النسيج الاجتماعي الوطني، وآثار هذا الصراع على الهوية والشخصية الليبية.

وربما يمكن اعتبار الجانب المادي الاقتصادي محورياً وليس هدفاً، فالخسارة الاقتصادية وإن كانت ثقيلة يمكن تداركها، ولكن فقدان الآلاف من الشباب الليبي في أتون هذا الصراع قد يكون الأكثر كُلفة على مستقبل البلاد، وقد يكون العدد الهائل من الضحايا الذين قضوا نحبهم، وماخلّفه هذا الصراع المحتدم من يتامى، وأرامل، ومكلومين، وناقمين، ومُهجّرين و... إلخ، كل ذلك يحتاج إلى تقييمٍ معرفي، وتمتد الكُلفة إلى أولئك الضحايا من المعاقين ومبتوري الأطراف، والمشوهين جسدياً ونفسياً، ويقع أغلبهم في دائرة الشباب الذين يحتاجون لعقودٍ من الرعاية الطبية والاجتماعية، وتشمل تداعيات الصراع أيضا تأثيره على الصعيد المناطقي، والقبلي، وكيفية معالجة وتجاوز تلك الحواجز من الحقد، والريبة، وعدم الثقة بين الأخوة الليبيين.

وتمتد اهتمامات المؤتمر لبحث وتقييم الخسائر الناجمة عن هذا الصراع التي تعرَّض لها الموروث الثقافي والحضاري، مثل المواقع الأثرية والمكتبات والمتاحف وغيرها، ولحقه من آثارٍ سلبية ترتب عنها تعطيل للمشهد الثقافي الليبي، والأضرار غير المرئية التي لحقت بمخرجات التعليم بمراحله المختلفة.

ومن خلال الطرح السابق لأهم مراحل الصراع في ليبيا نقترح المحاور التالية:

محاور المؤتمر:

  1. المحور الاجتماعي والنفسي:

    (النازحون في الداخل وأوضاعهم، اللاجئون في الخارج، المفقودون، الجرحى، الهجرة غير الشرعية وتأثيراتها المحلية والإقليمية، الأضرار النفسية للحرب، أسباب تعثر المصالحة الوطنية).

  2. المحور الاقتصادي والتنموي:

    (التضخم وأسبابه، تدهور قيمة العملة المحلية، الفساد المالي وانعكاساته على الاقتصاد الوطني، ظاهرة التهريب وتأثيرها على الإقتصاد الليبي، تأثير الصراع على قطاع النفط).

  3. المحور الثقافي و التعليمي:

    (الموروث الثقافي وتأثره بالصراع الدائر "الآثار، المكتبات، المتاحف"، العملية التعليمية ورداءة المخرجات، التسرب المدرسي، التعليم العالي والصراعات والسياسية.).

  4. المحور القانوني والتشريعي:

    (الفوضى التشريعية، الإسهاب في إصدار التشريعات وسط تعدد السُّلطات، الأسباب الحقيقية لتعطيل إصدار الدستور الليبي.).

أسس وقواعد المشاركة في المؤتمر:

تؤمن الهيئة المُنظِّمة والراعية لأعمال المؤتمر بحُرية التعبير والحوار، وحق الإختلاف في الرأي، وأن بناء ليبيا الجديدة لا يتأتَّى إلا من خلال نشر ثقافة المعرفة، بعيداً عن التجاذبات السياسية والايدولوجية والأمنية الراهنة، وتهدف من وراء عقد المؤتمر إلى إثراء الحوار المجتمعي الليبي في شأن كُلفة الصراع، ويَرفض المٌنظِّمون أن تكون أعمال المؤتمر منبراً للانحياز أو التهجم على أحد الأطراف الفاعلة والمتداخلة على الساحة الليبية.

الاعلانات

فيديو المؤسسة

شاهد نشاطات مؤسسة الشيخ الطاهر الزاوي

أغثِ إنساناً عن طريق التبرع لمؤسسة الشيخ الطاهر الزاوي وذلك بحساباتنا المصرفية التالية